جامع التوريزي المساجد المملوكية في دمشق

أضف رد جديد
naimalma
Site Admin
مشاركات: 234
اشترك في: 2020/4/17 4:19 pm

جامع التوريزي المساجد المملوكية في دمشق

مشاركة بواسطة naimalma »



المساجد المملوكية في دمشق / جامع التوريزي :
للباحث عماد الأرمشي

صورة

صورة
تعد دمشق من أقدم المدن المأهولة في العالم تاريخياً ، وأعرق مدائن الدنيا الخالدة إلى اليوم ، وتحضن مجموعة كبيرة من المساجد القديمة منها ( جامع التوريزي ) أرقى .. وأجمل مشيدات العصر المملوكي في مدينة دمشق .
حيث يقع هذا المسجد المبارك خارج أسوار مدينة دمشق القديمة في محلة قبر ( عاتكة بنت يزيد بن معاوية بن أبي سفيان) من رأس محلة الشويكة الى الشمال من القبر نفسه بحي باب السريجة بزقاق التوريزي .

صورة
الصورة ملتقطة في عام 2004 للميلاد

وقد شرع في بنائه سنة 822 للهجرة الموافق 1419 للميلاد الأمير المملوكي ( غرس الدين خليل التوريزي ) حاجب حجاب مدينة دمشق إبان العهد المملوكي ، و فرغ من بنائه عام 825 للهجرة الموافق 1422 للميلاد بالقرن الخامس عشر الميلادي .
وهناك خطأ شائع بين عَوامْ أهل الشَوام : أن اسم الجامع هو جامع التيروزي كما هو مدون على اللوحة الرخامية وهو خطأ ...
والاسم الصحيح هو ( جامع التوريزي ـ كما هو منقوش على ساكف عتبة باب الجامع الحجرية والتي لا تدع مجالا للنقاش أو الشك فيه ) . هذا للتصويب فقط .
وأتمنى من القائمين على وضع اللوحات الجدارية على أوابد ومساجد و مدارس دمشق التاريخية الأثرية تحري الدقة ، وتقصي الوقائع التاريخية للبناء واسم بانيه قبل وضع أي لوحة تشير إليه .

صورة
الصورة ملتقطة في عام 2011 للميلاد
على الرغم من أعمال ترميم وتجديد الجامع .. فما زالت اللوحة الرخامية الجديدة وبشكلها الخاطئ مثبتة على جدار الجامع . والاسم الصحيح هو ( جامع التوريزي )

صورة
وقد بُنِيَ الجامع على غرار العمائر المملوكية المتميزة في مدينة دمشق ، والتي اتخذت عناصر جديدة بالتخطيط ، وقواعد البناء ، والزخرفة القاشانية ، ويطبعنا البناء بطابع العمارة المملوكية الناضجة في كل من مصر ، وبلاد الشام بتلك الحقبة ، والتي اتخذت منحى آخر بعيداً عن فنون وقواعد العمائر الأيوبية التي كانت سائدة في الشام لأكثر من قرن .
فالواجهة مرتفعة البناء ، مبنية من المداميك الأبلقية ذات اللونين الأسود والأبيض ، وفي منتصف الواجهة شريط من المدكك الجميل يلف جدار الواجهة من أقصى الشمال إلى أقصى الجنوب ، ثم يعلوها سطح أملس ، و تعود المداميك الأبلقية ذات اللونين الأسود والأبيض إلى الظهور مرة أخرى وصولاً إلى سطح المسجد .


صورة
مسقط أرضي لجامع و تربة الأمير غرس الدين خليل التوريزي
وتخطيط جامع التوريزي يختلف عن تخطيط الجوامع الدمشقية ، وقد ذكر الدكتور طلس عند إحصائه لمساجد دمشق عام 1942 للميلاد من خلال تحقيقه في ذيل ثمار المقاصد أن تربة الأمير غرس الدين خليل التوريزي لصيقة لجامعه في شمال ضريح عاتكة ( قبر عاتكة / حارة الطيروزي ) تحت رقم – 56 - وهو مسجد عظيم جدا ببنائه ، وزخارفه ، و قاشانيه ، وجبهته الحجرية العالية الجميلة المتقنة .

صورة
تبدو بالصورة قبة التربة التوريزية المضلعة ذات الرقبتين المزدوجة ، والواجهة المبنية من المداميك الأبلقية التركيب فوق شريط من المدكك الأبلقي ، وبجانبها تبدو مئذنة الجامع قائمة منفصلة عن بدن المسجد .
ونوه المستشرقان الألمانيان / كارل ولتسينجر و كارل واتسينجر في كتابهما الآثار الإسلامية في مدينه دمشق عن نقطة هامة في عمليات بناء المساجد و الترب في سياق حديثهما عما كانت عليه المئذنة عام 1917 للميلاد وأثناء زيارتهما الميدانية لدمشق أنه من التقاليد التي كانت شائعة جدا في دمشق هي عملية دمج قبة التربة مع المصلى .. أي الجمع بين التربة والمسجد ... أو التربة والمدرسة ، وكان ذلك يتم وفق التصميم المتبع في بناء المساجد والترب حيث تلتصق التربة بالمسجد .
وهذا يؤكد ما ذكره الأسدي : بأن بناء التربة قد تم في عام 825 للهجرة ، و بدئ في العام نفسه ببناء الجامع ، في حين أن الأمير غرس الدين خليل التوريزي قد توفي في سنة 826 للهجرة الموافق 1424 للميلاد .

صورة
حارة التوريزي في محلة قبر عاتكة و تبدو قبة ضريح الأمير غرس الدين خليل التوريزي المتاخمة لبناء الجامع .
تشكل التربة و الجامع و المئذنة وحدة معمارية متماسكة في ضوء العلاقة المحورية التي تربط فيما بينها ، مما يؤكد أن بناء الجامع قد بدأ عند الانتهاء من بناء التربة في سنة 825 للهجرة ، لكن الصلاة الأولى أقيمت في المسجد بتاريخ 25 حزيران من عام 1423 للميلاد .
أن الجامع والتربة موجهان نحو القبلة ، وليس نحو الشارع ، كما أن هناك توازياً بين واجهة التربة وواجهة مدخل الجامع اللتين تطلان على الحارة مباشرة . ولقد تم تحقيق التوازن عن طريق تقوية السماكة في الجداران كما هو واضح في المخطط الآنف الذكر .

صورة
تتألف الواجهة من مدخل عال وضيق ، وهي مجوفة على هيئة محراب ، ولكنها لا يصل في ارتفاعها حتى الطنف الرئيسي لإطار جدار الواجهة ، إضافة إلى نوافذ الواجهة قابعة في محاريب تزيينية لها نفس ارتفاع محراب المداخل ، وتتمتع تلك المحاريب بأقواس حدوية مزدوجة ، وبفصل بينهما نطاق من المدليات ( النوازل ) و تعتبر هذه الواجهة هي الواجهة الوحيدة في دمشق لتكوينها الشاقولي .

صورة
فوق الباب مباشرة يوجد ساكف باب الجامع ، وهو عبارة عن ساكف حجري عليه نقش تاريخ إنشاء الجامع المعمور ما نصه :
أمر بإنشاء هذا الجامع المعمور بذكر الله تعالى المقر الغرسي خليل التوريزي تقبل الله منه في خامس و عشرين جمادى الآخر سنة ثلاث و عشرون و ثمانمائة .يعلوه شريط من المدكك المزي الجميل و البديع التركيب .

صورة
النقوش الحجرية وأغلب الظن أنها وقفية الجامع في أعلى البوابة ( لم أتمكن من قراءتها ... و كذلك لم يتمكن الدكتور طلس من نقل كتابتها لصعوبة ذلك ) .

صورة
الأقواس التاجية الثلاثية الفصوص في أعلى باب جامع التوريزي ، وهي ثلاثي التركيب ، ومكونة من الحجارة المنحوتة الأبلقية التركيب والمتداخلة ، أخذت أشكال شعاعية ضمن طاستين متجانستين متقابلتين يجمع بينهما مثلث أحدب ، ويعلوهما طاسة من المنحنيات الضحلة التقعر ، ومتوجة بصدفة خفيفة التقعر ، معكوسة التركيب ، أحدادية المركز ، وعلى شكل شعاعي . و هذه البوابة من أندر البوابات الموجودة في عمائر مدينة دمشق .

صورة
بوابة جامع التوريزي الكلية يعلوها نقش حجري على ساكف الباب ، وفوقها مدماك من المدكك المزي والأبيض ، ثم مدماكان أبيض وأسود ، ثم شريط من المدكك الأبلقي ، ثم شريط من الكتابات المنقوشة فوق الباب ، ثم مدماك أملس ، يليها الأقواس التاجية الثلاثية الفصوص في أعلى باب جامع التوريزي .

صورة
واجهة جامع التوريزي الشمالية ، وفوق الساكف الأملس يوجد قطعة حجرية مدككة في الواجهة و المشابهة لواجهة التربة السنبلية يتخللها رسوم هندسية حجرية بديعة غاية في الإتقان و التدكيك الحجري و فوقها مدماكان من الأبلق يعلوه قوس مسنن زخرفي ، وهو من نوادر الأقواس المسننة الموجودة في عمائر دمشق ، ويحتضن زخرفة حجرية نادرة منطلقة من حول قبة رمزية ، وقد تفنن النحات في نحتها .

صورة
و ذكر الدكتور محمد أسعد طلس أن للجامع صحن واسع مفروش بالحجارة المتقنة ، ولكنني لم أشاهد ذاك الصحن الذي تحدث عنه طلس ؟؟؟
ربما كان موجوداً على زمانه .. ربما ؟؟ !! وربما تم الإستعاضه عنه بضمه إلى حرم المسجد . و لهذا فإنني لا أرجح أن يكون للجامع صحن في هذا المكان ، ولا سيما وأن بركة الوضوء تقوم اليوم كما في السابق في إحدى العقارات المتاخمة لبناء المسجد ، وهذا هو سبب وجود المدخل الجانبي للجامع . راجع مخطط الجامع .
ولقد أخذ المهندس المعماري بعين الاعتبار اتجاه الجامع ومسار الزقاق واتجاهه ، واعتمد نظام الحوامل في الحرم على أربع دعامات تقسم الحرم نفسه الى ثلاث بلاطات ( أجنحة أو أروقة ) كما أن البلاطة ( أي الرواق ) الأخير منها والواقع في الشمال أطول في جانبيه من الرواقين الأماميين .
ولقد تم تمديده بشكل يستطيع المصلي الواقف في أقصى أطرافه رؤية الإمام الموجود في المحراب و ذلك فيما لو تجنب العضائد و الدعامات التي تعترض رؤيته .

صورة
يلتصق بالزوايا الأربع لكل دعامة عمود توييني لا يبرز منه إلا ثلاثة أرباع جذعه ، والأقواس التي تحملها الدعامات الأربع .. فانها متأثرة بالنمط الدمشقي الشامي ، فهي أقرب لشكل حدوة الحصان من أنها مدببة و مضغوطة .
إن المداميك الخمسة الأولى للأقواس مرصوصة أفقياً ، في حين يتماسك كل قوس بسبعة عشر حجر اسفيني ، و يسقط الضوء الى الحرم من نوافذ عليا ، تسع منها في جدار القبلية ، و تحتفظ خمس منها بالزجاج المعشق القديم ذي الألوان البديعة ( أشكال شجر السرو ) ، أما البقية فانها مسدودة بالواح زجاجية مستديرة ، قد تكون قديمة .

صورة
النوافذ العليا بعدد تسع نوافذ في جدار قبلية حرم بيت الصلاة والمعشقة بالزجاج الملون البديع ( أشكال شجر السرو )

صورة
يتألف السقف من جذوع خشبية متراصة و طين مع قنب شامي ، كما أنه يميل لإنحدار قليلاً في الرواقين الخارجيين مانعاً تجمع المياه والثلوج الشامية عليه ، ولم يبق من السقف الأصلي القديم إلا الجذع الذي يغطي الرواق المتوسط للحرم نفسه ، و سقف الحجرة الأمامية التي تتقدم الحرم ، و كان السقف مزيناً بكتابة يتوسطها شعار ( رنك ) من العهد المملوكي .

صورة
سقف الحجرة الأمامية التي تتقدم حرم بيت الصلاة بجامع التوريزي وكان السقف مزيناً بكتابة يتوسطها شعار ( رنك ) من العهد المملوكي .

صورة
يتألف المحراب من اطار حجري أملس ، وتجويف عميق وعمودين جانبيين ، إضافة الى شريط كتابي يعلو كتف القوس و مقرنصات تتوج قوس المحراب نفسه . والمنبر من أروع التحف الفنية ( أصلي ) ، وهو مشيد من الحجارة الصقلية ، كما أن الكتابة حُفرت بخط نسخي جميل تملأ كافة المساحات والحشوات الصغيرة ، و مثله قي ذلك ككل بقية سطوح الجامع التي تتميز بزخارفها الكتابية المفرطة . يتألف المنبر نفسه من تاج ومقرنصات ومسننات وقبة صغيرة خفيفة الظل الى جانب سدة صغيرة المساحة مصنوعة من الخشب ، ويعلو المحراب شريط عريض حُفر عليه بالخط النسخي الآية القرآنية الكريمة :
فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالآصَالِ * رِجَالٌ لا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْماً تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالأَبْصَارُ (37) سورة النور
كما يوجد في صدر المحراب شريط حُفر عليه بالخطّ النسخي أيضاً قوله سبحانه وتعالى :
رَبَّنَا لا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا رَبَّنَا وَلا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْراً كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا رَبَّنَا وَلا تُحَمِّلْنَا مَا لا طَاقَةَ لَنَا بِهِ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنْتَ مَوْلانَا فَانصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ (286) سورة آل عمران

صورة
تتحلى سطوح الجامع الداخلية بكسوة زخرفية اضافية من بلاطات القاشاني التي تغطي قواعد الجدران حتى ارتفاع 1.5 م ، أما القاشاني نفسه فانه يتألف من بلاطات مسدسة الشكل ، ومزينة بنوعين أو ثلاثة أنواع من الأزهار التي تزين سطوح الجامع و التربة معاً ، هذا وتؤلف بلاطات القاشاني مساحات كبيرة من الأشكال النجمية .

صورة
يحيط بالرواق الأمامي ثلاثة حقول من الكتابة المتراصة و الملونة بالأسود ، و يتألف بعض الحقول من سطرين ، أما الكتابة نفسها فانها تتضمن تفاصيل التأسيس و تحديد أسماء أصحاب الهبات و نوع الخدمات و المنافع و الأوقاف ، تمتد الكتابة كلها على طول 100 متر ، تحيط بتجويف ( بمحراب ) المدخل كتابة مؤلفة من ثلاثة سطور ، يالها من حماسة للزخرفة الكتابية التي تنافس التصوير التشخيصي نفسه .

صورة
الحشوة الزخرفية المذهبة الرائعة تحت وقفية وهبات المسجد و يتوسطها كلمة ( الله ) ذات الزخارف النباتية ، وفي الجامع كتابات وقفية طوبلة جداً .. عزفت عن وضعها هنا لطول أوقافها التي ضاعت مع غياهب الزمن . ( للمزيد من المعلومات راجع مجلد الآثار الإسلامية في مدينه دمشق / تأليف كارل ولتسينجر و كارل واتسينجر صفحة 182/المربع 7 بي /1 في نفس الكتاب ).

صورة
بلاطات القاشاني في محراب جامع التوريزي
وعموماً فحرم المسجد جميل ... و ضيق ، حافظ على بنائه الأول وجماله و رونقه ، ويشتهر حرم المسجد الداخلي بروائع الزخارف الخزفية ، والبلاطات الفسيفسائية وألواح القيشاني الملفتة للنظر والمنتشرة بشكل كبير على جدران المدخل الرئيسي للجامع ، والتي تغطي قواعد الجدران حتى ارتفاع متر و نصف ، وتشبه هذه الزخارف والألواح إلى حد كبير الخزف الصيني القديم .
وقد استخدمت المهارات الشامية في رسم زخارف الجدران على شكل زهور نباتية رائعة الجمال والتي تكاد تطابق زخارف الجدران بمسجد السلطان العثماني مراد الثاني ، والتي تنافس بها اليونانيين والعثمانيين في عام 1433 من حيث كسوة جدران المساجد والتي تؤكد أنها أخذت الطابع الشامي في هندستها و زخرفها على يد أصحاب الحرف من أهل دمشق .
وقد أكد الباحثين أن صناعة ألواح القيشاني ازدهرت في الشام قبل ازدهارها في تركيا ـ كوتاهيا ـ وإزنيك اليونانية . أما القيشاني نفسه فإنه يتألف من بلاطات مسدسه الشكل ، ومزينة بنوعين أو ثلاثة أنواع من الأزهار .. و يا لها من حماسة للزخرفة القيشانية و الكتابية التي تنافس التصوير التشخيصي نفسه .

صورة
تتألف التربة من قبة نصف مستديرة جاثمة فوق رقبة مزدوجة ، و فيها نلمس أيضاً النزعة نحو الإنفاع الشاقولي .
التربة من الداخل :
يدخل المرء هذه الترية من نافذة قديمة في الرواق الأمامي ، و تقودنا هذه النافذة في اتجاه منحرف لتوجه أنظارنا مباشرة نحوضريح الأمير و العمامة الحجرية التي تعلو النهاية الغربية لجسم الضريح الذي يبلغ أبعاده مقدار 117 X 212 متر .يقوم إلى جوار ضريح الأمير ضريح آخر ـ تبلغ أبعاد قاعدته 104 X 202 متر و تزين زواياه الأربع كرات حجرية ، و لا ندري هل هو قبر عاتكة أم لا . لانه ورد أن ( ضريح الأمير الى الشمال من قبر عاتكة ) . تعتمد القبة على مفرنصات بسيطة للغاية و ندلل على عراها الوثيقيو بالحنيات الركنية ، و تساعد تلك المقرنصات على الإنتقال الى الرقبة المؤلفة من 12 ضلعاً ، فضلاً عن انها تتمتع بثماني نوافذ .

صورة
يلي هذه الرقبة رقبة أخرى مؤلفة من 12 ضلعاً و تخترقها 12 نافذة ، تفابل الواحدة الأخرى بزاوية مقدارها 15 درجة ( هناك قرابة مع قبة الخانقاه اليونسية ـ الطاووسية ) التي هي أقدم من تربة التيروزية ب 42 سنة , أي أنها تعود لسنة 784 للهجرة الموافق 1380 للميلاد .
كانت فتحات القبة بالماضي بدون نوافذ خشبية أو زجاجية ، كما لا يوجد أية دلائل تشير الى وجود زجاج بالأصل ، و ربما لم يكن ذلك ملحوظاً ، لاسيما و انه جرى تحاشي أية زخرفة مرسومة أو نقوش محفورة على الخشب ، أي كل ما من شأنه أن يتأثر بالعوامل الجوية .
أما اليوم .. و مع أعمال الترميم و التجديد ، فقد تم تركيب نوافذ معشقة بالزجاج ذات تشكيل هندسي بديع أعطى للقبة هيبتها ، و رونقها و جمالها ، رغم أنها خالفت بنائها القديم .

صورة
إلا أن بناء المسجد كان بلا منارة ، فقد تم إنجاز بناء الصحن والحرم بدون مئذنة وقد أضيفت اليه مئذنته بعد تسع سنوات من تاريخ بنائه كما ذكر المؤرخ الدمشقي العلبي في كتابه ( خطط دمشق ) ، ولعل هذا التأخير أدى أن تكون المئذنة منفصلة عن بدن الجامع و بينما زفاق التوريزي .
أقول هنا ضمن أبحاث مساجد دمشق دراسة تاريخية تحليلية أن هذا الجامع مازال محافظاً على بنائه الأول و على جمالية بنائه ، و المئذنة كما لاحظت أثناء زياراتي الميدانية المتكررة له في صيف 2004 ، وفي نهاية عام 2007 .. أنها مفصولة عن الجامع و بينهما الطريق كما هو الحال في مئذنة جامع الشحم ، و جامع حكر السرايا ، وجامع الخرزمي ، وجامع البريدي ، ومئذنة مسجد باب الكنيسة وهي فائقة الحسن و الزخرفة ، وقد جاءت من أجمل وأرقى مآذن مدينة دمشق بناءً و روعةً و تصميماً .

صورة
ومرجعاً إلى الصورة الفوتوغرافية الوثائقية للمئذنة في بدايات القرن العشرين نجد أن المئذنة تقع في الجهة الشمالية المقابلة لواجهة الجامع وذلك تمشياً مع التقليد المتبع في الشام . كما هي مئذنة العروس في الجامع الأموي ... قد بنيت في الضلع الشمالي لتصبح بديلة للمئذنتين القديمتين .
وبناء على ذلك أصبحت مئذنة جامع التوريزي منفصلة عن بدن المسجد ، وانعزلت وحدها في الجانب الآخر من الزقاق .
فهي مربعة الشكل على غرار المآذن الأيوبية ، على حين أن مآذن المماليك مضلَّعة ، وتزيّن المئذنة زخارف كثيرة ، و تتمتع بعدة طوابق تفصل بينها أطر مقولبة و يرافقها أشرطة داكنة ، وتتخذ المئذنة في بدايتها شكلا مربعاً ، لكنها تتقلص تدريجياً إلى جذعين مثمني الشكل يليها جذع اسطواني ثم تنتهي المئذنة نفسها بقلنسوة مضغوطة شبيهة بقلنسوت المآذن القاهرية .

صورة
فجذع المئذنة الأول على شكل مربع في كل ضلع يتوسطه محراب أصم الشكل و تعلوه مداميك مدككة أبلقية التركيب ، أما الجذع الثاني فقد أخذ شكل مربع في كل ضلع و في الجهة الجنوبية من الجذع يتوسطه مربع مزنر فيه عمودين صليبيين فيه كتابات ديوانية و نقوش مؤرخة ما نصه :
بسم الله الرحمن الرحيم يَا أَيُّهَا الَّذِينَ /
آمَنُوا إِذَا نُودِي لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى /
ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ (9)

أنشأ هذه المأذنة المباركة العبد الفقير /
إلى الله تعالى خليل التوريزي رحمه الله /
تعالى وذلك في شهور سنة اثنين وثلاثين و ثمانمائة .

صورة
أما جذع المئذنة العلوي الثالث على شكل مربع ، في كل ضلع يتوسطه نافذتان مفتوحتان ضمن قوس أخذ شكل محراب أبلق الشكل ، يعلوه شرفة خشبية أخذت شكل الجذع ، ويحيط بها درابزين خشبي بارز عن الجذع ، وترتفع فوقها مظلة خشبية مجددة ، ويعلو المظلة جوسق مربع يتضاءل بالحجم ، به نوافذ صماء ينتهي بقمة مثمنة به ذرة بصلية صغيرة الحجم ، شبيهة إلى حد كبير لمئذنة جامع القصب " السادات " و جامع الورد بسوق ساروجة ، فكلهم مربع الأضلاع أيوبي الطراز وكلاهم مقسوم إلى ثلاثة أجزاء و طبقات .

صورة
هذا وقد أضاف الدكتور قتيبة الشهابي إن أوجه التشابه مع مئذنة جامع الورد يقودنا الى نفس الفترة الزمنية لعملية التشييد ، والفارق بينهما أربع سنوات فقط ، وهذا يقودنا إلى الاعتقاد الى أن بانيهما واحد ، أو لعل باني هذه المئذنة قد نقل التصميم الى باقي المآذن ؟؟ أسئلة محيرة !! لا جواب عليها حتى بالمستندات و الوثائق التاريخية . انتهى .
في حين أن عبد العزيز العظمة ذكر في كتابه مرآة الشام في سياق حديثه عن القاعات السبع في دمشق .. فذكر جامع التوريزي فقال : القاعات السبع في الشام سبعة مساجد مشيدة على طراز القاعات ، لها برك وأحواض وجلسة ونفقة ، وتعرف بالقاعات السبع وهي : الدغمشية في سوق الخيل ، و المغيربية في باب الجابية ، والشابكلية في القنوات ، والنيروزي ( أي التوريزي ) في باب سريجة موضوع بحثنا هذا ، والخانقية في الميدان ، والجقمقية في العمارة ، ، والخضيرية في الشاغور، وأجملها شكلا وبناء هي الجقمقية .

صورة
مازال الجامع شامخاً في سماء دمشق وبحالة جيدة جداً و محافظاً على نموذجه الأصلي الذي بني عليه من حيث تصميم و تخطيط الحرم و الصحن ، بالإضافة إلى المنارة الرائعة ، ليحتل هذا الجامع مكان الصدارة بين الجوامع المملوكية الشامية .
وقد الحق بهذا المسجد مدفن الأمير غرس الدين خليل التيروزي ذو قبة ضخمة ، وحمام مشهور يدعى حمام التوريزي ولعل أغنى ما في الجامع غرفة ضريح الواقف المتوفى عام 826 للهجرة الموافق 1423 للميلاد ، فإن قاشانيها ثمين جداً ، والى جانب الجامع الحمام الذي بناه الواقف و السبيل الذي يرجع الى عهد الواقف أيضاً .

صورة
حمام التيروزي بناه الأمير خليل التيروزي حاجب الحجاب سنة 848 للهجرة
والجدير بالذكر أن الجامع و الحمام كانا يتغذيان من مياه نهر القنوات حالهما كحال معظم المنشآت الدينية و النفعية مثل المساجد و المدارس و الخوانق و التكايا و الزوايا و الرباطات و البيمارستانات و الحمامات و الخانات كانت تقام على ضفاف الأنهر و مصبات المياه في مدينة دمشق للاستفادة قدر الإمكان من هذا العنصر الحيوي الهام للحياة .

صورة

إعداد عماد الأرمشي
باحث تاريخي بالدراسات العربية والإسلامية لمدينة دمشق

المراجع :

ـ مآذن دمشق تاريخ و طراز / د. قتيبة الشهابي
ـ ذيل ثمار المقاصد في ذكر المساجد / د. أسعد طلس
ـ خطط دمشق دراسة تاريخية شاملة / د . أكرم حسن العلبي
ـ منادمة الأطلال و مسامرة الخيال / الشيخ عبد القادر بن بدران
ـ الدارس في تاريخ المدارس / الشيخ عبد القادر بن محمد النعيمي الدمشقي
ـ مرآة الشام تاريخ دمشق وأهلها تحقيق نجدة فتحي صفوة / عبد العزيز العظمة
ـ الآثار التاريخية في دمشق / جان سوفاجيه ؛ عربه وعلق عليه د. أكرم حسن العلبي
ـ تاريخ ابن قاضي شهبة / الشيخ تقي الدين أبي بكر بن أحمد بن قاضي شهبة الأسدي الدمشقي
ـ الآثار الإسلامية في مدينه دمشق / تأليف كارل ولتسينجر و كارل واتسينجر، تعريب عن الألمانية قاسم طوير، تعليق الدكتور عبد القادر الريحاوي
- Damaskus: die islamische Stadt / Carl Watzinger & Karl Wulzinger




صورة

صورةصورة
أضف رد جديد